لا يمكن الحديث عن تطور صناعة البلوكشين دون الإشارة إلى المعركة المستمرة ضد الإهمال الإداري. بدأت Coinbase في عام 2012 كنقطة انطلاق لمشروع واحد ضمن شركة Y Combinator، وخلال فقط 15 عامًا تطورت لتصبح البنية التحتية الأساسية لتداول الأصول المشفرة على مستوى العالم. تضمن هذا التطور سلسلة من القرارات الاستراتيجية والتحديات التنظيمية، خاصة منذ إصلاح الهيكل التنظيمي في 2020 وحتى مقاومة اللوائح في 2024، مما يعكس تجديد نظام الإدارة وقدرة الشركة على التعامل مع الأزمات.
نقطة الانطلاق: الاستراتيجية التي اختارت الامتثال وسط الفوضى
نجاح Coinbase لم يكن بفضل التكنولوجيا المتقدمة فحسب، بل كان نتيجة فلسفة إدارة تتحدى الاتجاه السائد. في عام 2012، عندما قدم بريان أرمسترونغ طلبًا إلى Y Combinator، كانت رؤيته بناء بنك يُسمى “Bitbank”. استغل أرمسترونغ خبرته في مكافحة الاحتيال أثناء عمله مع Airbnb، وادرك أن تقنية البيتكوين ممتازة، لكن تجربة المستخدم كانت ضعيفة للغاية، وهو مشكلة جوهرية.
عندما أعاد التقديم بعد رفضه الأول، أقنعته نماذج محفظة أندرويد الأولية وخبرته في أمن المدفوعات، مما أقنع شركاء Y Combinator. والأهم من ذلك، انضمام فريد إلصام، تاجر العملات الأجنبية السابق في جولدمان ساكس، الذي جاء من خلفية مالية على وول ستريت، بينما كان أرمسترونغ من خلفية تقنية في وادي السيليكون، مما أضفى على Coinbase طابعًا فريدًا من نوعه.
خلال فترة 2013-2014، حين كانت بورصات العملات المشفرة تتكاثر، كانت هناك حالات فوضوية من الإهمال الإداري مثل Mt. Gox. اختارت Coinbase في ظل هذه الظروف أن تسلك طريقًا مختلفًا، فبدلاً من التهرب من اللوائح عبر التسجيل خارجياً، قررت بناء نظام امتثال كامل داخل الولايات المتحدة.
كان هذا النهج مكلفًا جدًا في البداية، حيث واجهت الشركة صعوبة في فتح حسابات بنكية، وحصلت على تراخيص تحويل الأموال في جميع الولايات الخمسين، وهو ما يُعرف بـ"مسيرة الترخيص". ومع انهيار Mt. Gox في 2014، استطاعت Coinbase أن تكتسب ثقة السوق، حيث مكنت الشفافية والنظام الصارم من دعمها خلال سنوات التغيرات التنظيمية العنيفة التي تلت ذلك.
كما أن استراتيجية التمويل المبكر كانت أيضًا استراتيجية، حيث استقطبت استثمارات من Union Square Ventures و Andreessen Horowitz (a16z)، بالإضافة إلى مؤسسات مالية تقليدية مثل NYSE و USAA و BBVA، مما رسخ مكانتها كـ"شركة مشفرة داخل النظام".
ألم النمو: النزاعات الداخلية وإعادة بناء الثقافة التنظيمية
مع النمو السريع للشركة، تراكمت تحديات حوكمة داخلية خطيرة. في ظل تصاعد أحداث جورج فلويد وحركة Black Lives Matter في 2020، برزت هذه التحديات بشكل واضح.
وفي وقت أبدت فيه شركات وادي السيليكون دعمها للعدالة الاجتماعية، عبر أرمسترونغ عن مواقف مختلفة في جلسة أسئلة وأجوبة عامة، حيث أكد على التركيز على الحرية الاقتصادية، مما أثار ردود فعل داخلية قوية، ونتج عنه إضراب افتراضي من بعض الموظفين.
وفي 27 سبتمبر 2020، نشر أرمسترونغ مقالًا على مدونته بعنوان “Coinbase شركة ذات مهمة”، حدد فيه بوضوح توجه ثقافة الشركة، حيث أكد على ضرورة التركيز على مهمة العمل بدلاً من النقاشات السياسية أو النشاطات الاجتماعية، واقترح مغادرة الموظفين الذين لا يوافقون على هذا التوجه. وافق حوالي 60 موظفًا، أي حوالي 5% من إجمالي الموظفين، على هذا المقترح.
على الرغم من الانتقادات التي وُجهت إليه باعتباره استبداديًا، إلا أن هذا القرار ساعد في حماية Coinbase من الإهمال الإداري، وحقق كفاءة عالية في التنفيذ خلال فترة التحضير لطرحها العام في 2021. وفي ظل نزاعات داخلية نشأت في شركات تكنولوجية أخرى، تمكنت Coinbase من الحفاظ على تركيزها على الأعمال.
لكن التحديات لم تتوقف، ففي نهاية 2020، كانت صحيفة نيويورك تايمز تعد تقريرًا عن التمييز المنهجي ضد الموظفين السود في Coinbase، مع شهادات عن هجرة جماعية، وفروق في الرواتب (بنسبة 7% أقل)، وتعرضات للتحرش في مكان العمل.
ردت Coinbase على ذلك بطريقة غير تقليدية، حيث أصدرت رسالة لجميع الموظفين قبل نشر المقال، بهدف تشكيل الرواية مسبقًا، وهو تصرف غير معتاد في العلاقات العامة، لكنه أظهر موقفًا صارمًا من الشركة.
وفي 2022، ظهرت قضية داخلية أخرى عندما استخدم مدير منتج سابق، إيشان واهي، معلومات عن جدول إدراج رموز مميزة في تداول داخلي، مما أدى إلى أول قضية داخلية تتعلق بالعملات المشفرة، حيث صنفت هيئة SEC بعض الرموز على أنها أوراق مالية، مما يهدد شرعية نموذج عمل Coinbase، ويمهد لملاحقات قضائية كبيرة مستقبلًا.
الرد: من مقاومة اللوائح إلى النفوذ السياسي
ردًا على ضغط هيئة SEC بقيادة غاري جينسلر، بدأت Coinbase هجومًا مضادًا شاملًا بدلاً من التسوية. في المجال القانوني، قدمت طلبًا إلى المحكمة العليا الفدرالية لصدور “أمر قضائي إلزامي” (Writ of Mandamus) لإجبار الهيئة على أداء واجباتها، وهو إجراء غير مسبوق، ونجح في النهاية في دفع الهيئة إلى التراجع عن معظم الاتهامات الموجهة ضد Coinbase بعد خسارتها في عدة دعاوى، خاصة مع تغير المزاج السياسي في بداية 2025.
وفي الوقت ذاته، ركزت Coinbase على بناء نفوذ سياسي خارج القضاء. وأصبحت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024 نقطة تحول مهمة، حيث دعمت Coinbase السيناتور شيلود براون، رئيس لجنة البنوك في مجلس الشيوخ، المعروف بمعارضته الشديدة للعملات المشفرة. قادت الشركة حملة تمويل ضخمة لصالح “Fairshake”، وهو اتحاد سياسي داعم للعملات المشفرة.
وفي دورة الانتخابات 2024، استثمرت صناعة العملات المشفرة أكثر من 119 مليون دولار، معظمها في إعلانات هجومية، وخصصت أكثر من 40 مليون دولار لدعم مقعد براون في مجلس الشيوخ. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت Coinbase حركة شعبية باسم “Stand With Crypto” حشدت أكثر من 2.6 مليون من حاملي العملات المشفرة، واعتمدت استراتيجية مزدوجة من “المال والتصويت”، غيرت بشكل جذري الحسابات السياسية في واشنطن، وأرسلت رسالة واضحة للسياسيين بأن خسارة براون كانت بمثابة تحذير لهم.
بحلول 2025، بلغت نفقات Coinbase على أنشطة الضغط السياسي مستوى قياسيًا، حيث بلغت حوالي مليون دولار لكل ربع سنة، واستعانت بأبرز المستشارين، بمن فيهم ديفيد برووف، مدير حملة أوباما السابق، ليكونوا في لجنة استشارية. وأصبحت الشركة ليست مجرد شركة تكنولوجيا، بل لاعبًا قويًا في واشنطن.
تحول جذري في نموذج الأعمال: من رسوم التداول إلى خدمات متعددة
تشير البيانات المالية لـ Coinbase إلى أن تحسين إدارة الإهمال الإداري تزامن مع تنويع جوهري في نموذجها التجاري. إذ تخلت عن الاعتماد على رسوم التداول، وبدأت في بناء مصدر دخل أكثر استدامة.
بحلول 2020، كانت أكثر من 96% من إيرادات Coinbase تعتمد على رسوم التداول، وهو ما يعكس ارتباط أداء الشركة بشكل كامل بتقلبات سعر البيتكوين. لكن بحلول 2025، من المتوقع أن ينخفض هذا الاعتماد إلى 59%، مع وصول إيرادات الاشتراكات والخدمات إلى حوالي 41%.
وقد اتضح ذلك بوضوح، ففي سوق الثيران عام 2021، بلغت إيرادات التداول حوالي 6.8 مليار دولار، لكن بعد سوق الدببة في 2023، أصبحت إيرادات الاشتراكات والخدمات (حوالي 1.4 مليار دولار) تقترب من إيرادات التداول (حوالي 1.5 مليار دولار). ومع تعافي السوق بين 2024 و2025، استمرت إيرادات الخدمات في النمو، متوقعة أن تصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار.
التحول الهيكلي الرئيسي يتمحور حول إصدار USDC، حيث أن أصول USDC الاحتياطية تدر دخلًا ثابتًا من خلال الفوائد على ودائع البنوك، خاصة في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. ويعد اعتماد ترخيص ETF على البيتكوين في 2024 ذروة هذا الاستراتيجية.
وتطمح Coinbase بحلول 2025 إلى أن تحتفظ بما يقارب 85% من أصول البيتكوين في صناديقها، بما يشمل منتجات كبرى مثل IBIT من Blackrock و GBTC من Grayscale. وإذا اشترى المستثمرون بيتكوين عبر Fidelity أو Blackrock، فإن أصولهم ستُخزن بشكل أساسي في محافظ Coinbase الباردة، مما يعزز مكانة Coinbase كالبنية التحتية الأساسية للنظام المالي العالمي.
استراتيجيتها في عصر Web3: شبكة Base وخطة التطبيق الشامل
لو اعتبرنا أن العقد الماضي كان Coinbase كمنصة تداول في عصر Web 2.0، فإن المستقبل يركز على تطورها كنظام تشغيل لعصر Web 3.0.
وفي 2023، أطلقت Coinbase شبكة Base، وهي شبكة Layer 2 تعتمد على تقنية OP Stack، وتُمثل تحولًا استراتيجيًا هامًا. فبين الانتقال من منصة تداول إلى بنية تحتية مالية، ثم إلى تطبيق شامل، تلعب Base دورًا محوريًا في استراتيجية الشركة.
باستخدام نظام الحوكمة والتنظيم القوي الذي بناه Coinbase، واحتلالها لمكانة مهيمنة في سوق التخزين، وتأثيرها السياسي، تسعى Coinbase إلى بناء مكانة قيادية داخل منظومة Web3. وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فمن المتوقع أن تتجاوز Coinbase كونها مجرد بورصة، لتصبح البنية التحتية الأساسية لنظام الأصول المشفرة بأكمله.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
مسيرة Coinbase: من الإهمال الإداري إلى التحول إلى البنية التحتية المالية العالمية
لا يمكن الحديث عن تطور صناعة البلوكشين دون الإشارة إلى المعركة المستمرة ضد الإهمال الإداري. بدأت Coinbase في عام 2012 كنقطة انطلاق لمشروع واحد ضمن شركة Y Combinator، وخلال فقط 15 عامًا تطورت لتصبح البنية التحتية الأساسية لتداول الأصول المشفرة على مستوى العالم. تضمن هذا التطور سلسلة من القرارات الاستراتيجية والتحديات التنظيمية، خاصة منذ إصلاح الهيكل التنظيمي في 2020 وحتى مقاومة اللوائح في 2024، مما يعكس تجديد نظام الإدارة وقدرة الشركة على التعامل مع الأزمات.
نقطة الانطلاق: الاستراتيجية التي اختارت الامتثال وسط الفوضى
نجاح Coinbase لم يكن بفضل التكنولوجيا المتقدمة فحسب، بل كان نتيجة فلسفة إدارة تتحدى الاتجاه السائد. في عام 2012، عندما قدم بريان أرمسترونغ طلبًا إلى Y Combinator، كانت رؤيته بناء بنك يُسمى “Bitbank”. استغل أرمسترونغ خبرته في مكافحة الاحتيال أثناء عمله مع Airbnb، وادرك أن تقنية البيتكوين ممتازة، لكن تجربة المستخدم كانت ضعيفة للغاية، وهو مشكلة جوهرية.
عندما أعاد التقديم بعد رفضه الأول، أقنعته نماذج محفظة أندرويد الأولية وخبرته في أمن المدفوعات، مما أقنع شركاء Y Combinator. والأهم من ذلك، انضمام فريد إلصام، تاجر العملات الأجنبية السابق في جولدمان ساكس، الذي جاء من خلفية مالية على وول ستريت، بينما كان أرمسترونغ من خلفية تقنية في وادي السيليكون، مما أضفى على Coinbase طابعًا فريدًا من نوعه.
خلال فترة 2013-2014، حين كانت بورصات العملات المشفرة تتكاثر، كانت هناك حالات فوضوية من الإهمال الإداري مثل Mt. Gox. اختارت Coinbase في ظل هذه الظروف أن تسلك طريقًا مختلفًا، فبدلاً من التهرب من اللوائح عبر التسجيل خارجياً، قررت بناء نظام امتثال كامل داخل الولايات المتحدة.
كان هذا النهج مكلفًا جدًا في البداية، حيث واجهت الشركة صعوبة في فتح حسابات بنكية، وحصلت على تراخيص تحويل الأموال في جميع الولايات الخمسين، وهو ما يُعرف بـ"مسيرة الترخيص". ومع انهيار Mt. Gox في 2014، استطاعت Coinbase أن تكتسب ثقة السوق، حيث مكنت الشفافية والنظام الصارم من دعمها خلال سنوات التغيرات التنظيمية العنيفة التي تلت ذلك.
كما أن استراتيجية التمويل المبكر كانت أيضًا استراتيجية، حيث استقطبت استثمارات من Union Square Ventures و Andreessen Horowitz (a16z)، بالإضافة إلى مؤسسات مالية تقليدية مثل NYSE و USAA و BBVA، مما رسخ مكانتها كـ"شركة مشفرة داخل النظام".
ألم النمو: النزاعات الداخلية وإعادة بناء الثقافة التنظيمية
مع النمو السريع للشركة، تراكمت تحديات حوكمة داخلية خطيرة. في ظل تصاعد أحداث جورج فلويد وحركة Black Lives Matter في 2020، برزت هذه التحديات بشكل واضح.
وفي وقت أبدت فيه شركات وادي السيليكون دعمها للعدالة الاجتماعية، عبر أرمسترونغ عن مواقف مختلفة في جلسة أسئلة وأجوبة عامة، حيث أكد على التركيز على الحرية الاقتصادية، مما أثار ردود فعل داخلية قوية، ونتج عنه إضراب افتراضي من بعض الموظفين.
وفي 27 سبتمبر 2020، نشر أرمسترونغ مقالًا على مدونته بعنوان “Coinbase شركة ذات مهمة”، حدد فيه بوضوح توجه ثقافة الشركة، حيث أكد على ضرورة التركيز على مهمة العمل بدلاً من النقاشات السياسية أو النشاطات الاجتماعية، واقترح مغادرة الموظفين الذين لا يوافقون على هذا التوجه. وافق حوالي 60 موظفًا، أي حوالي 5% من إجمالي الموظفين، على هذا المقترح.
على الرغم من الانتقادات التي وُجهت إليه باعتباره استبداديًا، إلا أن هذا القرار ساعد في حماية Coinbase من الإهمال الإداري، وحقق كفاءة عالية في التنفيذ خلال فترة التحضير لطرحها العام في 2021. وفي ظل نزاعات داخلية نشأت في شركات تكنولوجية أخرى، تمكنت Coinbase من الحفاظ على تركيزها على الأعمال.
لكن التحديات لم تتوقف، ففي نهاية 2020، كانت صحيفة نيويورك تايمز تعد تقريرًا عن التمييز المنهجي ضد الموظفين السود في Coinbase، مع شهادات عن هجرة جماعية، وفروق في الرواتب (بنسبة 7% أقل)، وتعرضات للتحرش في مكان العمل.
ردت Coinbase على ذلك بطريقة غير تقليدية، حيث أصدرت رسالة لجميع الموظفين قبل نشر المقال، بهدف تشكيل الرواية مسبقًا، وهو تصرف غير معتاد في العلاقات العامة، لكنه أظهر موقفًا صارمًا من الشركة.
وفي 2022، ظهرت قضية داخلية أخرى عندما استخدم مدير منتج سابق، إيشان واهي، معلومات عن جدول إدراج رموز مميزة في تداول داخلي، مما أدى إلى أول قضية داخلية تتعلق بالعملات المشفرة، حيث صنفت هيئة SEC بعض الرموز على أنها أوراق مالية، مما يهدد شرعية نموذج عمل Coinbase، ويمهد لملاحقات قضائية كبيرة مستقبلًا.
الرد: من مقاومة اللوائح إلى النفوذ السياسي
ردًا على ضغط هيئة SEC بقيادة غاري جينسلر، بدأت Coinbase هجومًا مضادًا شاملًا بدلاً من التسوية. في المجال القانوني، قدمت طلبًا إلى المحكمة العليا الفدرالية لصدور “أمر قضائي إلزامي” (Writ of Mandamus) لإجبار الهيئة على أداء واجباتها، وهو إجراء غير مسبوق، ونجح في النهاية في دفع الهيئة إلى التراجع عن معظم الاتهامات الموجهة ضد Coinbase بعد خسارتها في عدة دعاوى، خاصة مع تغير المزاج السياسي في بداية 2025.
وفي الوقت ذاته، ركزت Coinbase على بناء نفوذ سياسي خارج القضاء. وأصبحت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024 نقطة تحول مهمة، حيث دعمت Coinbase السيناتور شيلود براون، رئيس لجنة البنوك في مجلس الشيوخ، المعروف بمعارضته الشديدة للعملات المشفرة. قادت الشركة حملة تمويل ضخمة لصالح “Fairshake”، وهو اتحاد سياسي داعم للعملات المشفرة.
وفي دورة الانتخابات 2024، استثمرت صناعة العملات المشفرة أكثر من 119 مليون دولار، معظمها في إعلانات هجومية، وخصصت أكثر من 40 مليون دولار لدعم مقعد براون في مجلس الشيوخ. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت Coinbase حركة شعبية باسم “Stand With Crypto” حشدت أكثر من 2.6 مليون من حاملي العملات المشفرة، واعتمدت استراتيجية مزدوجة من “المال والتصويت”، غيرت بشكل جذري الحسابات السياسية في واشنطن، وأرسلت رسالة واضحة للسياسيين بأن خسارة براون كانت بمثابة تحذير لهم.
بحلول 2025، بلغت نفقات Coinbase على أنشطة الضغط السياسي مستوى قياسيًا، حيث بلغت حوالي مليون دولار لكل ربع سنة، واستعانت بأبرز المستشارين، بمن فيهم ديفيد برووف، مدير حملة أوباما السابق، ليكونوا في لجنة استشارية. وأصبحت الشركة ليست مجرد شركة تكنولوجيا، بل لاعبًا قويًا في واشنطن.
تحول جذري في نموذج الأعمال: من رسوم التداول إلى خدمات متعددة
تشير البيانات المالية لـ Coinbase إلى أن تحسين إدارة الإهمال الإداري تزامن مع تنويع جوهري في نموذجها التجاري. إذ تخلت عن الاعتماد على رسوم التداول، وبدأت في بناء مصدر دخل أكثر استدامة.
بحلول 2020، كانت أكثر من 96% من إيرادات Coinbase تعتمد على رسوم التداول، وهو ما يعكس ارتباط أداء الشركة بشكل كامل بتقلبات سعر البيتكوين. لكن بحلول 2025، من المتوقع أن ينخفض هذا الاعتماد إلى 59%، مع وصول إيرادات الاشتراكات والخدمات إلى حوالي 41%.
وقد اتضح ذلك بوضوح، ففي سوق الثيران عام 2021، بلغت إيرادات التداول حوالي 6.8 مليار دولار، لكن بعد سوق الدببة في 2023، أصبحت إيرادات الاشتراكات والخدمات (حوالي 1.4 مليار دولار) تقترب من إيرادات التداول (حوالي 1.5 مليار دولار). ومع تعافي السوق بين 2024 و2025، استمرت إيرادات الخدمات في النمو، متوقعة أن تصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار.
التحول الهيكلي الرئيسي يتمحور حول إصدار USDC، حيث أن أصول USDC الاحتياطية تدر دخلًا ثابتًا من خلال الفوائد على ودائع البنوك، خاصة في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. ويعد اعتماد ترخيص ETF على البيتكوين في 2024 ذروة هذا الاستراتيجية.
وتطمح Coinbase بحلول 2025 إلى أن تحتفظ بما يقارب 85% من أصول البيتكوين في صناديقها، بما يشمل منتجات كبرى مثل IBIT من Blackrock و GBTC من Grayscale. وإذا اشترى المستثمرون بيتكوين عبر Fidelity أو Blackrock، فإن أصولهم ستُخزن بشكل أساسي في محافظ Coinbase الباردة، مما يعزز مكانة Coinbase كالبنية التحتية الأساسية للنظام المالي العالمي.
استراتيجيتها في عصر Web3: شبكة Base وخطة التطبيق الشامل
لو اعتبرنا أن العقد الماضي كان Coinbase كمنصة تداول في عصر Web 2.0، فإن المستقبل يركز على تطورها كنظام تشغيل لعصر Web 3.0.
وفي 2023، أطلقت Coinbase شبكة Base، وهي شبكة Layer 2 تعتمد على تقنية OP Stack، وتُمثل تحولًا استراتيجيًا هامًا. فبين الانتقال من منصة تداول إلى بنية تحتية مالية، ثم إلى تطبيق شامل، تلعب Base دورًا محوريًا في استراتيجية الشركة.
باستخدام نظام الحوكمة والتنظيم القوي الذي بناه Coinbase، واحتلالها لمكانة مهيمنة في سوق التخزين، وتأثيرها السياسي، تسعى Coinbase إلى بناء مكانة قيادية داخل منظومة Web3. وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فمن المتوقع أن تتجاوز Coinbase كونها مجرد بورصة، لتصبح البنية التحتية الأساسية لنظام الأصول المشفرة بأكمله.