كنت لا أفهم من قبل لماذا يكون آخر ترتيب من «كتاب التغييرات» (إي تشينغ) هو «الـ未济» (لم يكتمل/لم يُنجَز).


ستة رجال وأربع وضعيات (أربعة سدسات)، تبدأ من «الْقِيان» (السماء/الخلق). «إن حركة السماء لا تنقطع، فالإنسان النبيل يستمد منها طاقةً دافعةً لا تعرف التوقف عن العزيمة». تلك كانت دافعًا إبداعيًا خالصًا إلى الأعلى. ومع التطور المتواصل، نصل إلى «الْسادِسَة والستين» (既济) — «الماء والنار في التحام»؛ كلُّ الأمور وكلُّ الأشياء تنال موضعها، تمامٌ وكمالٌ مستدير. ومن حيث المنطق، يفترض أن يكون ذلك هو النهاية. لكن على الرغم من ذلك، تتابع بعده وضعية أخرى، اسمها «未济». النار فوق الماء؛ اختلال تام في الموضع، ولم يتمكن المرء من العبور. لا ينهي الكتاب بفرح النصر، بل بخطوةٍ معلّقة غير محسومة، ثم ينقطع فجأة.

لماذا رتّب القدماء ذلك على هذا النحو؟ فكرت في الأمر طويلًا.
ثم اكتشفت فجأة شيئًا ممتعًا جدًا: إن حياتنا نحن البشر تمضي. تبدأ بمرحلة المراهقة والضبابية، ثم تجتاز مختلف مراحل التعلم والدخول إلى المجتمع. ومن المفترض أن تكون عملية التعلم هذه قد اكتملت بدورتها كاملة. لكن بعد أن تكتمل دراستك وتدخل المجتمع، يبدأ كل شيء من جديد. وبعد أن تنجز عملك على نحوٍ مثالي، تأتي مرحلة المشاعر ثم تأسيس الأسرة وتحقيق الاستقرار. وبعد أن يتم تأسيس الأسرة وتحقيق الاستقرار، يأتي دور تربية الجيل التالي. وحتى إذا أنجزت كل ما يمكنك إنجازه، فسيظل «未济» قائمًا؛ وتجد نفسك مضطرًا إلى أن تبدأ مجددًا من أجل أهداف الجيل التالي.

في تلك اللحظة فهمت فجأة: إن «الْقِيان» في بدايتها هو في الحقيقة النهاية؛ وإن «未济» في آخرها هو في الحقيقة البداية. لأن بدء مرحلة جديدة يعني أنك قد فرغت للتو من اجتياز مرحلةٍ ما؛ وعندما تُنهي مرحلةً، فهذا يعني أن مرحلةً تالية يجب أن تبدأ أيضًا.
هذا الدوران لا يتغير بمحض الإرادة، إلا إذا حدث الفناء التام.

هذه هي القاعدة الموضوعية الحتمية لكل حياة، ولكل مادة. وبعد أن فهمت هذه الحقيقة، وجدت أن هذه المنطقية يمكن أن تزيل كثيرًا من المتاعب.
مثلًا: النصر والهزيمة.

نحن غالبًا نضع النجاح والفشل في مواجهة مباشرة، ونقسم الحياة قسمين: نصفٌ هو فرح النجاح، ونصفٌ هو ألم الفشل. لكن إذا وضعنا ذلك داخل هذه الدورة، فإن الفشل ليس خطأً ارتكبتَه. بل هو فقط النظام يخبرك: لقد انتهى كمال هذا الشكل، وحان وقت الانتقال إلى الشكل التالي. ليس الفشل نفيًا لك، بل هو إشارة إلى الالتفاف وتغيير المسار.
وماذا عن النجاح؟ النجاح ليس كأس النهاية كذلك. إنه يعني أنك وصلت إلى «الْقِيان» في لحظةٍ ما؛ لكن إن تمسكت بهذا الموضع وتشبثت به، فستظهر عندك «الاستعلاء الذي يحمل الندم» (كما في «عظيم التنين يجيء وبهندام الحذر»). إن المعنى الحقيقي للنجاح هو أنه يمدك برأس مال وطاقة تدشين تُعينك على بدء مرحلة «未济» التالية.

ليس ليوقفك لتستريح وتستمتع، بل ليمنحك القدرة على أن تبدأ طريقًا جديدًا.

يقول الناس: «الفشل هو أم النجاح». تبدو العبارة سهلة. لكن منطقها العميق هو أن نجاحًا وفشلًا أصلا ليسا ضدّين، بل هما مرحلتان مختلفتان من الدورة نفسها. مثل نص قِرَاءَة «ال既济» (الْـيـنجَاز/الاكتمل)؛ فالسطر يبدأ بـ«أول خير ويختم بشرًا» — أي أن لحظة اكتمال كل شيء تبدأ فيها الفوضى والتغيّر الجديد في الوقت ذاته. أما وضعية «未济» التي تبدو كأن الفوضى فيها لم تُفصل بعد، فإنها في الحقيقة تتضمن أكبر قدر من الإمكانات، فكلُّ الأشياء في انتظار أن تنمو وتبدأ.

قال «لاو تزو»: «ينبعث من الوجود والعدم ما يولد، وتتكون الصعوبة والسهولة من بعضهما، وتتقابل الطول والقِصر، وتتنافر العلو والسفل». هكذا تكون علاقة النجاح والفشل علاقة «ولادة متبادلة». ليست هناك تسلسلية زمنية مفادها أن الفشل يأتي أولًا ثم النجاح. بل إن الفشل نفسه يحمل بذور النجاح، والنجاح نفسه يحمل جذور الفشل. اعتبار النجاح والفشل كضدين هو تقطيع بشري صنعه الناس. فإذا نظرنا إليهما ضمن الصورة الكاملة للدورة، فهما أصلا شيء واحد.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • مُثبت